الخميس ٣ أبريل ٢٠٢٥ الموافق ٥ شوال ١٤٤٦ هـ

تعقيب على مقال “الأمن والأمان آثارهما وإيجابياتهما ( المملكة أنموذجاً )” للدكتور غيثان بن جريس – بقلم ✍️ د. سعيد بن عبدالله بن جفشر القحطاني

تعقيب على مقال “الأمن والأمان آثارهما وإيجابياتهما ( المملكة أنموذجاً )” للدكتور غيثان بن جريس – بقلم ✍️ د. سعيد بن عبدالله بن جفشر القحطاني
 
 
اطلعت على مقال سعادة الأستاذ الدكتور غيثان بن جريس، المنشور في صحيفة النماص اليوم، في ( 19/ 2/ 2025م )،بعنوان “الأمن والأمان آثارهما وإيجابياتهما ( المملكة أنموذجًا )” ، والأستاذ الدكتور غيثان بن جريس أستاذي وعلاقتي به ليست علاقة يوم وليلة بل علاقة امتدت لأكثر من 30 عامًا، تتراوح بين علاقة طالبٍ بأستاذٍ، وباحثٍ بمشرفٍ، وصديقٍ وأخٍ. فهو من أسهم في توجيهنا ودعمنا في مسيرتنا الأكاديمية، وكان دائمًا مثالًا يحتذى به في الجد والاجتهاد والبحث والهمة التي لا تفتر..
 
وكذلك في إرشاد طلابه ودعمهم حتى كتابة هذه الأسطر، التي من خلالها أحاول قراءة هذا المقال، الذي يتناول فيه الدكتور ابن جريس موضوعًا غاية في الأهمية يتعلق بمفهوم الأمن والأمان، مُركزًا على تطور الحالة الأمنية في الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية بشكلٍ خاص، في محاولة لفهم كيف أنَّ هذا الموضوع أساسي لاستقرار أي مجتمع وازدهاره.
 
ينطلق ابن جريس في مقاله من تناول مفهوم الأمن والأمان من عدة زوايا، بدءًا من تعريفه اللغوي والشرعي عبر الاستشهاد بالقرآن الكريم والسنة النبوية، ثم يتحول إلى تحليل تاريخي عميق يعرض فيه تطور هذه الحالة في جزيرة العرب. ويعتمد الدكتور غيثان بن جريس على تقسيم المقال إلى عدة مراحل تاريخية، مع التركيز على البعد التاريخي للأمن في الجزيرة العربية، حيث يسلط الضوء على الفترة التي سبقت الإسلام، والتي كانت تشهد حالة من الفوضى القبلية والصراعات المستمرة بين القبائل التي كانت تفرض سلطتها على المناطق المختلفة في تلك الفترة، حيث كان غياب السلطة المركزية الموحدة هو السمة السائدة.
 
ومع ظهور الإسلام، بدأت ملامح الأمن والاستقرار تظهر بشكل تدريجي، حيث بدأ المسلمون في بناء مجتمع متماسك يرتكز على العدالة والمساواة، وهو ما شكل الأساس لنظام سياسي وديني موحد في الجزيرة العربية ، ومع مرور الوقت تراجع نفوذ وسيطرة الدولة الإسلامية في جزيرة العرب بعد عصرالخلافة الراشدة، مما سمح بتوسع دولة الإسلام الكبرى خارج شبه الجزيرة، وتأثرت بذلك الحالة الأمنية في المنطقة، حيث تعرضت للانقسامات والصراعات الداخلية.
 
وفي جزء آخر من المقال، يستعرض الكاتب فترة ما قبل توحيد المملكة السعودية، حيث كان الأمنُ مفقودًا، وكانت القبائل تتنازع فيما بينها، إضافة إلى التدخلات الخارجية من قبل الدولة العثمانية وأطراف استعمارية أخرى. هذا الانقسام أدى إلى تفشي الفوضى، وجعل تحقيق الاستقرار أمرًا صعبًا.
 
أما الجزء الأبرز في المقال فيتمثل في الحديث عن الجهود التي بذلها الملك عبد العزيز آل سعود – رحمه الله – لتوحيد المملكة، حيث لم يكن هدفه مجرد التوسع السياسي، بل كان المشروع الأهم له هو بسط الأمن في كافة أنحاء المملكة وتأسيس نظام قوي يستند إلى تطبيق الشريعة الإسلامية. وقد نجح الملك عبد العزيز في تحويل المملكة من دولة ممزقة إلى دولة ذات سيادة ونظام أمن قوي يكفل لجميع المواطنين الأمان والاستقرار ، كما أشار إلى جهود الملوك من بعده في هذا الجانب المهم.
 
وفي حديثه عن المملكة الحديثة، يشرح الدكتور ابن جريس كيف أصبحت السعودية نموذجًا في تحقيق الأمن ليس فقط على المستوى الداخلي، بل على الصعيد الإقليمي والدولي. فقد باتت المملكة رائدة في مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الأمني مع الدول الأخرى في العالم.
 
من جهة أخرى، أود أن أضيف على ما جاء في مقال الدكتور غيثان بن جريس، أنَّ جهود الدولة السعودية في تحقيق الأمن لم تقتصر فقط على مرحلة التوحيد في عهد الملك عبد العزيز، بل بدأت منذ التأسيس في مرحلة نشوء الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام محمد بن سعود. وفي تلك الفترة، كان الإمام محمد بن سعود ومن بعده الائمة كان من أولوياتهم توحيد المناطق وتطبيق مفاهيم العدالة وبسط ونشر الأمن ومحاربة الفوضى والظلم الذي كانت تعيشه بلدان الجزيرة العربية وغيرها من البلاد المجاورة نتيجة الصراعات القبلية والاطماع الداخلية بين الكيانات السياسية المتصارعة والقوات الغازية ، وتمكنت هذه الدولة من فرض سلطتها والأمن والأمان على أغلب جزيرة العرب وجهات أخرى من الشام والعراق.
 
ثم جاءت الدولة السعودية في مرحلتها الثانية وفي ظل جهود الإمام فيصل بن تركي آل سعود، الذي سعى إلى ترسيخ الأمن في المناطق التي تحت سيطرته، رغم التحديات الكبيرة التي كانت تواجهه من الدول الأجنبية وتحديات الصراعات الداخلية. وهذه الجهود مستمرة حتى أثمرت في النهاية بتأسيس المملكة العربية السعودية الحديثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود – رحمه الله – الذي وضع أسسًا راسخة للاستقرار والأمن.
فمجهودات الملك عبد العزيز في بسط الأمن لم تكن فقط على مستوى النظام السياسي، بل شملت التوسع الجغرافي من خلال حروب توحيد المناطق، حيث كانت الفوضى والصراعات القبلية قد طالت مناطق واسعة في الجزيرة العربية. وبعد استتباب الأمن، بدأت المملكة تشهد طفرة كبيرة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما جعلها واحدة من أبرز الدول المستقرة في المنطقة.
 
وعوامل ازدهار المملكة الاقتصادية والاجتماعية ارتبطت بشكل وثيق بتحقيق الأمن. فمع استقرار الأوضاع، بدأت المشاريع التنموية تنطلق، وأصبحت المملكة مركزًا جاذبًا للاستثمار والاقتصاد، بفضل استتباب الأمن والاستقرار. كما ساهم الأمن في تحسين مستوى الحياة الاجتماعية للسكان، حيث عاشت المملكة مرحلة من الرخاء بفضل توفر بيئة آمنة ومستقرة.
 
ولا يمكن الحديث عن الأمن في المملكة دون الإشارة إلى الجهود العظيمة التي بذلها الملوك؛ سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله – رحمهم الله رحمة واسعة – حيث واصلوا مسيرة تعزيز الأمن والاستقرار في المملكة، كلٌ منهم في عهده، من خلال ترسيخ الأنظمة الأمنية ودعم المؤسسات المعنية بحفظ الأمن. ومع تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله – وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله -، أصبح مفهوم الأمن أكثر شمولًا ودقة، إذ تم الاهتمام بكل ما يتعلق بالأمن والأمان من جوانب الفكر، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والأمن النفسي، والشخصي، والغذائي، والوطني، والبيئي، وكل ما يتعلق بحفظ الأمن والاستقرار وبسط الأمان.
 
وختامًا، أقول أنَّ مقال الدكتور غيثان بن جريس يظهر فيه عمقًا كبيرًا في تحليل تطور الأمن في الجزيرة العربية، ويؤكد على أهمية الأمن في بناء المجتمعات. وهو يسلط الضوء على جهود المملكة العربية السعودية في الحفاظ على استقرارها وأمنها، ويعتبر مصدرًا غنيًّا بالمعلومات التي من خلاله يفتح آفاقًا واسعةً للباحثين في تناول هذا الجانب المهم والرئيسي لقيام الدول ونهضتها، وهذا ما نلمسه من خلال الانجازات التنموية العظيمة في ظل رؤية المملكة ( 2030 ) التي كان من ركائزها التي ضمنت وتضمن نجاحها الأمن والأمان .
 
 
 
 
 
 
 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *