غزة في الوقت الحاضر ليست مكاناً مؤهلاً للإقامة، فالمنازل مهدمة، والطرق مقفلة، والبنية التحتية مدمرة بالكامل، ورائحة الموت في كل زاوية، لا شيء من مقومات الحياة الكريمة للسكان العائدين إلى منازلهم في شمال القطاع، مع غياب تام للمنظمات الدولية لإصلاح ما أفسده الاحتلال، أو المساهمة في إعادة البناء، فالتكلفة باهضة جداً، أسهمت الفصائل في حماس باستدراج الكيان الغاصب لهذه الحرب دون أن تأخذ العواقب في حسبانها.
غالبية الشعب الفلسطيني يعيشون في الشتات طوال عقود، فما الذي دفع بهم للهجرة ؟. ومتى تكون الهجرة مطلباً ؟.
لقد وجد الفلسطينيون الذين يعيشون في الشتات الأمن ورغد العيش، وهو المنطق الذي بينه الإسلام عندما تستدعي الضرورة، فقد وردت الهجرة في الآيات القرآنية كقوله تعالى ( قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) النساء97، وفي قوله تعالى(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) النساء 100، فليس من الدين البقاء في الأرض التي يؤذى فيها المسلم، فكل المآسي التي لا يتصورها العقل وقعت في أرض غزة، كالحصار والتجويع والقتل والتدمير، كل واحدة منها تكفي للهجرة وعدم البقاء.
لننظر للتصريحات التي أطلقها ترامب على محمل الجد، فربما استوحى من إسرائيل أنها تريد القضاء على ما تبقى في القطاع، ليعطي الفرصة للسكان في غزة ولدول الجوار العربي بالتفكير في العواقب، فالشعب الغزاوي سوف يقع بين مطرقة الاحتلال وسندان الحصار من جهة المعابر لو عادت الحرب مرة أخرى.
يقيناً ليس كل أفراد الشعب في غزة ينتهج ما قامت به الفصائل، فلم تأخذ منه التأييد بخوض تلك الحرب التي أتت على الأخضر واليابس، الغائب الوحيد في قضية التهجير الحالية هو الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولعل السؤال المطروح: لماذا لا يتاح المجال للشعب الفلسطيني في غزة الاختيار بين الهجرة والبقاء ؟. لقد عانى الشعب الغزاوي كثيراً خلال عام ونصف من الحرب، ربما تشتعل الحرب مع الكيان مرة أخرى دون اقتناص فترة الهدنة الحالية للسماح بالمغادرة للراغبين.
الآن وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، هي فرصة مواتيه للبحث عن مخرج، فليست مصر والأردن من يتحمل أعباء الحرب وتبعاتها، فقادة الفصائل التي أشعلت حرب السابع من أكتوبر عليها مسؤولية وضع السلاح، سوف تجد التأييد من كل أطياف الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والشتات، تتولى السلطة الفلسطينية مسؤولية إدارة القطاع، سوف تقطع الطريق على فكرة تهجير سكان القطاع خارج الحدود كما يطالب ترامب، حتى تتضافر الجهود لإعادة البناء الذي سوف تبلغ تكلفته الاجمالية بحسب آخر الاحصائيات 80 مليار دولار في مدى زمني لا يقل عن أربع سنوات، هذا يستوجب من الفصائل في حماس أن تدرس خياراتها، فاليوم ليس كالأمس، والقوى الصهيونية الغربية تبحث عن ذريعة لتهجير كل السكان طواعية أو قسراً عندما لا تجد طرفاً فاعلاً ومفاوضاً مرناً للتعامل معه في القطاع.
التعليقات