السبت ٥ أبريل ٢٠٢٥ الموافق ٧ شوال ١٤٤٦ هـ

حماس.. أيهما أثقل”كلفة التسوية أم كارثة الطوفان” – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

حماس.. أيهما أثقل”كلفة التسوية أم كارثة الطوفان” – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

 

في مشهدٍ يبدو عصيًا على الفهم، تحتفل بعض القيادات الحمساوية بما أسموه “إنجاز الصلح” مع إسرائيل، متجاهلين الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الغزّي خلال عام من الخراب والمآسي. صحيح أن الصلح قد يكون طوق نجاة في ظلّ الظروف الإنسانية الكارثية، لكن يجب ألا ننسى السياق الذي أدّى إلى هذه الحالة. فلا يمكن مناقشة هذا الوضع دون العودة إلى الخطأ الجوهري الذي أفضى إلى هذه الكارثة.

إن قرار شن ما سمي بـ” طوفان الأقصى”، قرارٌ – وإن كان مدفوعًا بظروفٍ معيشية صعبة وانتهاكات إسرائيلية مستمرة – يمكن وصفه بأنه حماقة سياسية وعسكرية لعدم تقدير الموقف واختلال توازن القوى بين الطرفين، وعدم استنفاد جميع خيارات التسوية السلمية المُمكنة.

لقد أقدمت حماس على إطلاق ما أسمته “طوفان الأقصى” في خطوة افتقرت إلى رؤية استراتيجية واضحة أو تقدير حقيقي للعواقب. فالطرف الذي قرر مواجهة إسرائيل، وهو عبارة عن مجموعة ذات إمكانات عسكرية محدودة، لم تكن تحمل سوى بنادق تقليدية وبعض الصواريخ البدائية، يقابلها في الجهة الأخرى جيشًا مدججًا بكافة أنواع الأسلحة المتطورة، مدعومًا من قوى دولية ودعم استخباراتي هائل. النتيجة كانت متوقعة: حرب مدمرة حوّلت غزة إلى ركام، وأزهقت أرواح عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء.

ورغم أن عملية “طوفان الأقصى” لم تُحقق أهدافها المعلنة، وكانت نتائجها كارثية على الشعب الفلسطيني في غزة، إلا أنه يمكن احتساب نقطة إيجابية للعملية وان كانت ضئيلة مقارنة بما حدث لغزة وشعبها. ألا وهو آنها كشفت زيف الصورة النمطية التي تغلغلت في الوجدان العربي من أن: “الجيش الإسرائيلي لا يُقهر”، كما ساهمت أيضاً في إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي. وهذه الإيجابية إن أقررنا بها إلا أن وجودها كعدمها لأن العمل كان جارياً من بعض المخلصين من دول الإقليم لتسوية تحقق للشعب الفلسطيني ما يبحث عنه لأكثر من سبعين سنة.

إن قرار شن هذه المغامرة لم يكن مجرد خطأ، بل كان تصرفًا ينم عن انعدام الحكمة والبصيرة. فبدلاً من التفكير في حماية الشعب الغزي وتجنيبه ويلات الحرب، وبدلاً من توحيد الصفوف الفلسطينية وتبني المقاومة السلمية – كما حصل في بعض البلدان حيث كانت النتائج مُضمونه وسريعة – اختارت حماس الدخول في معركة غير متكافئة، متجاهلة الواقع العسكري والسياسي وربما متأثرةً بالضغوط الشعبية والظروف الداخلية. وكان واضحًا منذ البداية أن نتائج هذه المغامرة ستكون كارثية، ومع ذلك تم الزج بالشعب في أتونها دون حساب كافٍ للعواقب.

ما حدث بعد طوفان الأقصى لا يمكن وصفه إلا بكارثة إنسانية. مئات الآلاف من المشردين، عشرات الآلاف من القتلى، دمار شامل للبنية التحتية، ونكبة اجتماعية واقتصادية سيستغرق عقودًا لتجاوزها. والأكثر مأساوية، أن غزة فقدت أي فرصة للوقوف مجددًا دون مساعدة دولية واسعة، وهي مساعدة قد تتأخر بسبب التعقيدات السياسية والموقف المُتشدد لإسرائيل.

في ظل هذه الكارثة، أتى الصلح كطوق نجاة للجميع، وليس لـ حماس فقط. هذا الصلح الذي يُحتفى به اليوم هو محاولة لإنهاء المعاناة وفتح باب الأمل أمام الشعب الفلسطيني. لكن لا يجب أن ننسى أن هذا الصلح جاء بعد خسائر فادحة، لا يمكن تجاهل نتائجها ومُحاسبة جميع الأطراف المسؤولة عن هذه الكارثة، وإيجاد حلول جذرية لإنهاء الصراع وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

من المهم أن نتوقف عند درس جوهري من هذه التجربة: أن الشعارات والهتافات، مهما كانت رنانة، لا يمكن أن تصنع نصرًا إذا لم تكن مدعومة بقوة حقيقية ورؤية واضحة. الشعب الفلسطيني يستحق قيادة أكثر حكمة وقدرة على التعامل مع الواقع المعقد، قيادة تدرك أن حماية الأرواح أولوية، وأن المقاومة الحقيقية تتطلب حكمةً ودرايةً وتخطيطًا استراتيجيًا وإعلاءً للمصلحة الوطنية العليا.

إن حال الحمساويين اليوم يعكس أزمة عميقة في الفكر والممارسة. قرار طوفان الأقصى كان قرارًا صعبًا في ظروفٍ صعبة، والصلح الذي جاء بعده لا يمكن أن يكون مبررًا لما حدث.

المطلوب اليوم هو وقفة صادقة مع النفس، وإعادة النظر في النهج المتبع من قبل القيادات التي يبدو أنها نسيت أن مسؤوليتها الأولى هي حماية شعبها، لا الزج به في معارك خاسرة. الشعب الفلسطيني يستحق قيادة تحترم تضحياته، وتحمي مستقبله بدلاً من المقامرة بحياته لأجل شعارات فارغة.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *