السبت ٥ أبريل ٢٠٢٥ الموافق ٧ شوال ١٤٤٦ هـ

فلسفة الرزق “رحلة نحو أفق أوسع” – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

فلسفة الرزق “رحلة نحو أفق أوسع” – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

 

في عالمٍ يتسابق فيه الناس خلف المال ويقيسون به نجاحهم واستقرارهم، يبرز سؤال جوهري: هل المال هو الرزق الوحيد؟ أم أننا وقعنا في وهمٍ ضيقٍ اختزل مفهوم الرزق في شيء واحد، رغم أن الحقيقة أعمق وأشمل؟

الرزق، بمعناه الوجودي، ليس مجرد ما نملك بأيدينا، بل هو كل ما يُغذّي حياتنا ويُعيننا على عبورها. هو ذلك النسيم الذي يُداعب وجهك صباحًا، الصحة التي تُحرك بها قدميك، القلوب التي تُحبك دون شروط، الطمأنينة التي تغمرك عندما تضع رأسك على وسادتك ليلاً، أو حتى اللحظات الصغيرة التي تسرقها لتتأمل شروق الشمس. ولكن لماذا لا نرى هذه الأشياء كأرزاق؟ ربما لأننا ننظر بأعينٍ مشبعة بالتوقعات، نبحث عن ما ينقصنا ونغفل عن ما بين أيدينا.

نحن كمن يُحدق في فراغ الكوب، يغفل أن الجزء الممتلئ يحمل ما يروي عطشه. نُخطئ عندما نظن أن الرزق يتجسد فقط في المال، بينما هو متغلغل في كل لحظة من حياتنا، في تفاصيلها الصغيرة التي نمر عليها مرور الكرام.

الرزق في جوهره: اتصالٌ بالوجود تأمل لحظةً، ماذا لو فُقد البصر؟ كم من الجمال سيغيب عن عالمك؟ ماذا لو حُرمت السمع؟ كم من الحوارات، والألحان، والهمسات ستصبح في طي الغياب؟ ماذا لو توقف قلبك عن الإيمان؟ كم من المعاني ستتلاشى أمامك، وكم من النعم ستُصبح مجرد أشياء بلا روح؟

الرزق ليس مجرد مادة تُستهلك، بل هو جسرٌ ممتد بين الإنسان وعمق الحياة. هو البصر الذي يجعلك ترى جمال العالم، السمع الذي يفتح لك أبواب الكلمات والموسيقى، الصحة التي تمنحك حرية الحركة، والأبناء الصالحون الذين يُشبهون انعكاسًا للأمل في عينيك. وحتى تلك التجارب الصعبة التي تعتقد أنها حرمان، قد تكون رزقًا خفيًا، تحمل درسًا يُغني روحك ويُغير نظرتك للحياة.

المال رزقٌ.. لكنه ليس الأهم قد يمتلك الإنسان المال، لكنه يعيش فقيرًا في عافيته، مقيدًا بأسراره النفسية، محروماً من القلوب التي تُحبه بصدق. قد يكون لديه كل ما يتمناه من أشياء، لكنه يُعاني من فراغٍ داخلي لا يملؤه أي ثراء. في المقابل، قد تجد آخرين لا يملكون سوى القليل، لكن قلوبهم ممتلئة بالرضا، وأرواحهم تنبض بالامتنان لكل لحظة يعيشونها.

الرزق الحقيقي هو ذلك التوازن الخفي الذي يُبقيك قادرًا على العيش بسكينة، ممتنًا لما لديك، ومتطلعًا لما هو قادم دون جشع أو خوف. إن المال رزق، لكنه في سلم الأرزاق ليس الأعلى. كيف يُمكن أن يكون الأعلى وهو وسيلة، بينما الغاية الحقيقية هي السعادة، الرضا، والسلام الداخلي؟

قال تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ «إبراهيم 7» الشكر ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو حالة من الوعي. أن ترى ما لديك كنعمةٍ وتُدرك قيمته هو جوهر الشكر. أن تستثمر ما لديك من صحة، وعلاقات، ووقت، وأموال في الخير هو امتداد لهذا الشكر. كل لحظة تأمل في نعم الله حولك تُعيد تشكيل فكرك وتجعل قلبك أكثر اتصالًا بالوجود.

دعوة للتفكر .. خذ لحظة الآن وأغلق عينيك. تأمل أنفاسك، حرك يديك، اسمع صوتًا من حولك. هذه أشياء بسيطة قد تبدو بديهية، لكنها أعظم النعم. فكر في الأشخاص الذين يُحيطون بك، في الذكريات الجميلة التي تحملها، في الفرص التي لديك اليوم ولم تكن موجودة بالأمس. هذه كلها أرزاق. الرزق ليس مجرد ما يُحصى، بل ما يُحس. هو كل شيء يُبقيك على قيد الحياة، يُضيف إلى وجودك، ويُعطي لحياتك معنى. عندما تُدرك هذا المعنى، ستُصبح ممتنًا ليس فقط لما تُريده، بل لما لديك الآن. وهذا هو السر الأعظم: أن الامتنان في ذاته رزقٌ يمنحك الرضا والسعادة، ويُفتح لك به أبوابًا لم تكن تراها من قبل.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *