خرجت في رحلة قصيرة لبضعة أيام خلال الفترة من (٧-١١ / ٧ / ١٤٤٦هـ الموافق ٧ – ١١ / ١ / ٢٠٢٥م ) من مدينة أبها إلى محافظات الدرب، ورجال ألمع، ومحايل عسير، وبارق، والمجاردة، وخرجت بالعديد من الخلاصات التي أدونها في النقاط الآتية:
1- جميع هذه البلدان التي زرتها وتنقلت في مناكبها حوالي خمسة أيام تقع في بلاد تهامة، وتحديدًا في الديار السهلية الجبلية التي تقع عند سفوح السروات الغربية. وهي نواحي مأهولة بالسكان منذ عصور ما قبل الإسلام، والقبيلة هي التركيبة البشرية التي تحكمها خلال القرون القديمة، والإسلامية المبكرة والوسيطة والحديثة. وإذا بحثنا في تاريخها القديم والإسلامي المبكر فلا نجد لها ذكر واضح في المصادر الكلاسيكية القديمة، أو العربية والإسلامية الأولى. مع أننا نجد بعض المصادر التي تشير إلى شيءٍ من تاريخ بعض الموانئ على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وعن شعوب وبلدان في اليمن والحجاز، وليست هذه البلاد التي زرتها الوحيدة التي نجهل تاريخها السياسي والعسكري، بل هناك بلدان أخرى عديدة في عموم السروات وتهامة (من جازان ونجران إلى الطائف وجنوب مكة المكرمة) سادها أيضًا الجهل والنسيان العلمي والمعرفي التوثيقي. وبقيت هذه الأوطان خلال القرون الإسلامية الوسيطة والحديثة حتى القرن ( ١٣ هـ/ ١٩ م) مجهولة في العلم التاريخي والحضاري الموثق، وهذا لا يعني أنه ليس لها تاريخ وتراث طبيعي وبشري، بل هي مكتظة بالسكان الذين لهم أنشطة حضارية في شتى الميادين، لكن بُعدها وانزوائها عن مراكز الحضارة الإسلامية داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتها في طي النسيان عند المؤلفين الأوائل وأرباب القلم من العرب والمسلمين وغيرهم.
2- عندما نقف في الوقت الحاضر على شيءٍ من حضارة البلاد القديمة، مثل: الكتابات والرسومات الصخرية، والنقوش والآثار المادية، ونشاهد بعض آبارها، وسدودها، وقراها، وحصونها، ومقابرها، ومساجدها، وأسواقها الأسبوعية، ودروبها الطويلة والقصيرة، وأحميتها، وكهوفها، ومزارعها وطرق ريِّها القديمة، وغيرها من المصادر المادية السطحية. وإن بحثت عن شيءٍ من آثارها المادية المدفونة، أو تاريخها الحضاري المعنوي المتمثل في لهجات أهلها، ورواياتهم، وأشعارهم، وقصصهم، وفنونهم، ورياضاتهم القديمة، وتاريخهم الحضاري الاجتماعي المنوع من أعراف، وتقاليد، وشيم، وعادات، وتواصل لفظي، أو نفسي، أو أسري، أو مجتمعي، فإنك ستجد الكثير من التاريخ والحضارة الماثلة أمامك، التي يعود تاريخ وصول بعضها إلى عصور ما قبل الإسلام، والقرون الإسلامية المبكرة والوسيطة. لكن هذا التراث والتاريخ القديم الذي مازال مشاهدًا في البلاد إلى وقتنا الحالي غير مدون في أعمال علمية، بل تجد الكثير من هذا الموروث اندثر.حتى وان شاهدنا أو مارسنا شيئًا منه في حياتنا اليومية، لكننا نجهل تمامًا جذوره التاريخية الحضارية القديمة. وهذا النموذج الذي أشرت إليه في السطور السابقة، موجود أيضًا في أي مكان من ديار السروات وتهامة الممتدة من مكة والطائف إلى نجران وصعدة وجازان وما جاورها.
3- أشاهد خلال هذا القرن (15هـ/20ــ21م) بعض المتعلمين من أهل البلاد أو من خارجها ممن قاموا بعمل المحاضرات أو البحوث والكتب والدراسات التاريخية والحضارية والأثرية، وفي الغالب يذكرون شيئًا من تاريخ وتراث الأرض والناس في العصر الحديث والمعاصر، وهذا أمر لا مشكلة فيه، وأخص بذلك الباحثين الجادين الذين يعتمدون في أعمالهم العلمية على مصادر ومراجع جيدة وذات مصداقية عالية، أما غيرهم الذين لا يحرصون على الحيادية والشفافية فليس لهم مكان في مدونتي هذه. والمشكلة التي رأيتها ووجدتها عند البعض من هؤلاء الباحثين أنَّهم يذكرون معلومات متنوعة وقديمة قبل الإسلام وبعده عن تركيبة السكان والقبائل وانتسابها، ويشيرون إلى تواريخ سياسية وحضارية متعددة الجوانب، وإذا وضعنا أقوالهم وتوثيقاتهم تحت محك النقد العلمي الحيادي المنصف فإننا نجد معظمها وأحيانًا كلها غير دقيقة، فلا يوجد لها مصادر ومراجع معتبرة، وفي أغلب الأوقات تُلوى عنق الأقوال والمعلومات من أجل الوصول إلى الرأي أو النتيجة التي يسعى لها صاحب البحث أو الدراسة. وهذه المشكلة ليست محصورة على البلدان والمحافظات المذكورة في هذه المقالة، بل سمعت وقرأت عنها وشاهدتها مكتوبة عن مواقع أخرى في البحوث الورقية أو الرقمية أو المقاطع المنشورة بالصوت والصورة. وهذه الآفة للأسف منتشرة بشكل كبير عن طريق وسائل التواصل المختلفة، وفيها من الأخطاء والكذب والتدليس ما الله به عليم.
4- هذه الأمكنة الستة المذكورة في هذه الورقة (من أبها إلى المجاردة) تقع في أجزاء من السراة وتهامة، وعموم المنطقة التهامية والسروية شملها التجاهل والنسيان العلمي والتوثيقي. والظروف التي عاشتها شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده إلى وقتنا الحديث أثرت سلبًا على هذه البلاد المعنية في هذا الموضوع، ربما لصعوبة أرضها وشراسة أهلها الذين لا يقبلون الغريب أن يدخل بلادهم، وأيضًا حروبهم وصراعاتهم القبلية عبر عصور التاريخ كانت جميعها من المعوقات التي جعلت الأرض والناس في عزلة اجتماعية وحضارية قرون عديدة. واليوم والحمد لله صارت هذه الديار جزء من الدولة السعودية الحديثة التي تعمل جاهدة على تطوير البلاد والعباد، حتى أصبح من أبناء هذه البلاد أعدادٌ كثيرة في جميع مجالات المعرفة، وصار أيضًا في أرجاء السروات وتهامة عدد من المؤسسات العلمية والبحثية العالية. وكل هذه المؤهلات الطبيعية والبشرية عليها مسؤوليات كثيرة لخدمة بلادها تنمويًّا، وحضاريًّا، وثقافيًّا، ومعرفيًّا، وعلميًّا، وآمل أن نرى في جامعاتنا، وكلياتنا، وأقسامنا العلمية المحلية من يدعم ويشجع ويتخصص في دراسة وتوثيق تاريخ وحضارة جميع البلدان التهامية والسروية، ومنها المدن والمحافظات المشار لها في مقدمة هذه المدونة.
5- هذه ليست المرة الأولى التي أزور فيها هذه المحافظات المذكورة، بل قرأت صفحات من تاريخها المادي والمعنوي، وتجولت في مناكبها مرات عديدة، وجلست مع أهلها وسمعت منهم. ولاحظت الكثير من معالمها وأعلامها الجغرافية والبشرية. وأوصيت طالباتي وطلابي خلال هذا القرن ( ١٤٠٠ – ١٤٤٦هـ / ١٩٨٠ – ٢٠٢٥م) بالدراسة والبحث في تاريخها، وتراثها، وموروثها. وبعضهم قام بذلك وأنجزوا بعض البحوث عن جزئيات من تاريخها خلال القرنين ( ١٣ – ١٤هـ/ ١٩ – ٢٠ م)، ومازالت هذه الأوطان تحتاج إلى جهود أكبر وبحوث نوعية خلال هذه الفت رة الحديثة. أما تاريخها من العصر القديم إلى القرن ( ١٢ هـ / ١٨ م)، فنحن في حاجة ماسة وكبيرة إلى دراسة هذه البلاد من خلال آثارها المادية السطحية والمدفونة. وهذه النواحي وغيرها في بلاد تهامة والسراة تستحق هذه الخدمات العلمية البحثية الجادة. ولن يتحقق ذلك إلَّا بإنشاء كليات وأقسام عليمة أكاديمية تُدعم ماديًّا ومعنويًّا، ويُجلب لها باحثون وأساتذة بارعون ومتخصصون، وإن تحقق ذلك على أرض الواقع فقد نعثر على صفحات من تاريخ بلادنا المفقود في عصور قديمة.
6- إنَّ المحافظات المذكورة وغيرها في تهامة والسراة تنعم خلال المئة عام الماضية ( ١٣٤٥- ١٤٤٥هـ / ١٩٢٦ – ٢٠٢٤م) بتاريخ حضاري مشرف. وجرى خلال هذه المدة الكثير من الأحداث والتواريخ المتنوعة، وفي نهاية المطاف صارت عموم البلاد تعيش حياة نمو ونور وتنمية في الكثير من القطاعات. هذا الذي عرفته وسمعت عنه وقرأته في عشرات المذكرات والمدونات وآلاف الوثائق والصفحات التاريخية . ومع هذا فنحن مازلنا بحاجة إلى دراسة، وتحليل، وجمع، وتصنيف هذا التاريخ، ثم طباعته ونشره لجميع القراء. وقد يقول قائل إنَّ تاريخ البلاد الحديث والمعاصر معروف وموثق، وهذا كلام غير صحيح ولا دقيق. نعم عندما يسير الواحد منا في أنحاء البلاد يرى صور التنمية الحديثة واضحة للعيان؛ مشاريع تنموية مادية ومعنوية في كل المجالات، لكننا لا نملك ولا نعرف تاريخ علمي جاد ومنصف يوثق كيف بدأت ثم تطورت هذه الحياة الحضارية الحديثة والمعاصرة. وعلى الباحثات والباحثين، والمؤرخات والمؤرخين المعاصرين أن يخدموا بلادهم وأهلهم بحفظ هذا التاريخ كتابة وتصويرًا وتوثيقًا.
7- إنَّ الغزو الفضائي الذي يعيشه العالم، وسهولة الحصول على المعلومة، ونشرها ومشاركتها مع الغير بسرعة فائقة من نعم الله على البشر. وهذا فضل الله ــ عز وجل ــ على خلقه، لكن ما ينشر من خلال وسائل الفضاء الكثيرة، وبخاصة في مجالات العلم والمعرفة، فالواجب الحرص والحذر من كل غث وغير صحيح ولا نافع ومفيد. وفي أثناء جولتي الأخيرة، حرصت الدخول على الإنترنت والبحث في جوجل عن بعض المعارف الجغرافية، وتاريخ وحضارة وأعلام بشرية في المحافظات التي زرتها. واتضح لي الكذب والأخطاء والمغالطات المدونة، ومثل هذا النوع من المعلومات قد يتلقفها بعض الناس فيصدقونها، مع أنها غير صحيحة، وهذه مشكلة يصعب السيطرة عليها، لكن الأهم أن تُدعم وتشجع دراسات علمية جيدة وجادة تخضع للمراجعة والتدقيق بهدف نشر علم ومعرفة تاريخية وحضارية صحيحة عن أي موضوع يتعلق بتاريخ بلادنا وحياة سكانها.
8- لو توقفتُ عند كل حدثٍ أو شيءٍ سمعته أو شاهدته خلال هذه الرحلة القصيرة، لخرج عمل علمي في عشرات الصفحات. وقد يُستهان بالجولات والمشاهدات التي يصدر عنها عمل موثق، وهذا المصدر من المصادر الرئيسية في علم الكتابة والتوثيق. وكلما كانت الحيطة والاجتهاد في رصد معلومات صادقة وصحيحة كان هذا المصدر من المصادر الجيدة والموثوقة. وأرجو من أبناء وبنات أهل تهامة والسروات، وبخاصة أرباب القلم من الباحثين، والمؤرخين، والشعراء والأدباء، ومن يجد عنده المقدرة والكفاءة أن يكتب ذكرياته أو مشاهداته وانطباعاته عن أي موضوع أو ناحية في بلاده، أو القرية، أو المدينة أو المكان الذي يزوره أو يعيش فيه في جنوب البلاد السعودية أن يبادر في عمل ذلك، مع توخي الحذر الشديد على أن يكون صادقًا وشفافًا ومنصفًا فيما يتم كتابته وتوثقيه. ومن يفعل ذلك فهو يحفظ صفحة من صفحات تاريخ وحضارة الزمان والمكان الذي يكتب عنه.
وللأسف أننا لا نعير التوثيق والكتابة في حياتنا الشيء الكثير، وهذا مما جعل الكثير من حضارتنا وتراثنا يضيع عبر العصور ، وفي وقتنا الحاضر ليس عندنا عذر إطلاقًا؛ لأن الجميع أصبح يقرأ ويكتب، والمسؤولية الكبيرة على عاتق الباحثين، والمعلمين، وأساتذة الجامعات وغيرهم من أرباب الثقافة والمعرفة. وصلى الله وسلم على رسول الله.
التعليقات
تعليق واحد على "رحلة قصيرة في أجزاءٍ من تهامة (قراءات، ومشاهدات، وتوصيات) – بقلم. أ. د. غيثان بن علي بن جريس"
نفع الله بكم وبعلمكم، وجعل عملكم خالصًا لوجهه الكريم، وأطال عمركم وألبسكم ثوب الصحة والعافية