في مسيرة الإنسانية نحو تحقيق الأهداف العظيمة، كانت العقبات دوماً جزءاً لا يتجزأ من الرحلة. فكما أن النهر المتدفق يصادف صخوراً في طريقه، إلا انه يتجاوزها بكل ثبات، فإن كل مشروع كبير لا بد أن يواجه مطبات صغيرة قد تبدو للحظة كعائق، لكنها في الحقيقة جزء من منظومة البناء والتقدم.
تُعَدُّ العقبات في المشاريع الكبيرة ليست مجرد محطات عارضة، بل هي دليل على حركة الحياة وصخب العمل. فالحركة ذاتها تُنتج اضطرابات وتحديات، وهي ما يمنحها قيمة ودلالة. لو كان الطريق سهلاً مستقيماً، لخسر معناه. العقبات، مهما صغرت أو كبرت، هي اختبارات لقوة الهدف وصلابة الإرادة، وهي تعيد تذكيرنا بأهمية الاستعداد والمرونة في التعامل مع الواقع.
الفرق بين من يتوقف عند العثرة ومن يواصل المسير هو وضوح الهدف. الهدف الواضح أشبه بالبوصلة التي تُبقي صاحبها على الطريق، مهما كثرت المنعطفات. عندما تكون الغاية سامية وواضحة، فإن العقبات لا تصبح سوى جزء من السياق، لا تهديداً للمشروع بأسره. فالرؤية الشاملة تمكّن من التعامل مع المعيقات بوصفها محطات للتعلم وإعادة التقييم، وليست نقاط توقف دائمة.
ليس كل تأجيل أو إلغاء علامة فشل، بل قد يكون أحياناً ضرورة لإعادة التموضع. في الفلسفة العملية، يُنظر إلى التأجيل على أنه فرصة لإعادة النظر في التفاصيل، ولتطوير الحلول التي تناسب المرحلة. أما الإلغاء، فهو في بعض الأحيان قرار ذكي للحفاظ على الموارد وتوجيهها نحو ما هو أكثر أهمية. وهنا يظهر الذكاء الإداري في معرفة متى يُصرّ على الاستمرار ومتى يُعاد النظر.
المشاريع الكبرى، مهما تأثرت بالتحديات، تظل في تقدم مستمر إذا كانت آليات العمل واضحة وعجلة الإنجاز تتحرك بثبات. السر يكمن في عدم الانشغال بالمطبات الصغيرة على حساب الصورة الكبيرة. فالتركيز على الهدف النهائي هو الذي يُبقي التقدم مستمراً. كما أن تجاوز العقبات الصغيرة يمنح الفريق الثقة والزخم لمواجهة ما هو أكبر.
في النهاية، ليس النجاح في المشاريع العظيمة حكراً على من يمتلك الموارد فقط، بل هو لمن يملك المثابرة والوعي. المثابرة تمنح القدرة على الاستمرار، والوعي يمنح القدرة على التكيف. هذا المزيج هو ما يجعل المشاريع الكبيرة قادرة على الاستمرار، مهما تعثرت الخطى، لتصل إلى الأهداف المنشودة.
إن بلادنا، في مسيرتها نحو تحقيق رؤيتها الطموحة، تقدم نموذجاً لهذه الفلسفة. فرغم العقبات التي قد تظهر بين الحين والآخر، فإن العجلة تستمر بالدوران، والإصرار على الوصول إلى الهدف لا يتزعزع. تلك هي فلسفة التقدم التي تُعلّمنا أن الطريق الطويل يُقطع بخطوات صغيرة، وأن العقبات ما هي إلا فرص للتعلم والاستعداد لمراحل أكبر.
m1shaher@gmail.com
التعليقات