استمعت إلى كلمة قدمها الأستاذ الدكتور غيثان بن علي بن جريس في جمعية المتقاعدين في عسير، بتاريخ (8/6/1446هـ)، وكانت تفصيلاتها تدور على بلاد السروات وتهامة خلال العصور الإسلامية المبكرة، والوسيطة، والحديثة، وإلى حد ما في مجال العلم والتعليم والمعرفة في هذه البلاد العربية العريقة. وفي هذه المقالة أدون ملخصًا مختصرًا لهذه الكلمة، في النقاط الآتية:
1- بدأ الدكتور ابن جريس بالحديث عن تهامة والسراة قبل الإسلام، وأشار إلى أن هذه البلاد كانت مأهولة بالسكان، وكان فيها حياة حضارية متنوعة. ومن يقول إنها ديار جاهلية، فالعبارة قريبة من الحقيقة؛ لانتشار الوثنية وغيرها من الديانات، والشرائع السماوية المحرفة، أو الوضعية الوافدة إليها من داخل الجزيرة العربية وخارجها. وذكر أن أهل البلاد لم يكونوا جهلاء في أمور الحياة العامة، ولا تخلو مجتمعاتهم من الثقافة، والتراث الأدبي واللغوي، ومجالات حضارية أخرى عديدة.
2- انتقل في حديثه إلى أحوال البلاد في القرن الإسلامي الأول فكانت مثل غيرها في انتشار الإسلام في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم ينتقل الرسول-صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا وأهلها قد دخلوا الإسلام، وذهبت العديد من وفود قبائلها إلى المدينة المنورة وتعلموا شرائع الدين، ثم عادوا إلى أوطانهم ينشرون الإسلام بين أقوامهم.
وذكر أن مصادر السيرة النبوية احتوت الكثير من أسماء الدعاة والرسائل المتبادلة بين أهل السراة وتهامة، والرسول-صلى الله عليه وسلم -، واستمرت تلك الصلات في عصر الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-، وحث الدكتور غيثان طلاب العلم على دراسة المنطقة في تلك الفترة الإسلامية المبكرة .
3- بيّن صاحب الكلمة كيف بدأ التهاميون والسرويون يخرجون من بلادهم؛ من أجل الانخراط في جيوش الفتوحات الإسلامية التي خرجت إلى خارج الجزيرة العربية؛ من أجل نشر الدين الإسلامي في بلدان عديدة في الشام، وفارس والعراق، ومصر وشمال إفريقيا. وأشار إلى أن هذا الموضوع مازال جديرًا بالبحث والتوثيق الرصين والعميق، ويأمل أن تقوم الأقسام العلمية الأكاديمية. في الجامعات المحلية بخدمة مثل هذا الموضوع.
4ـ تطرق الدكتور غيثان إلى بعض الأسباب والظروف التي تسببت في خروج الخلافة الإسلامية من الحجاز إلى الكوفة ثم الشام خلال النصف الثاني من القرن الهجري الأول، والثلث الأول من القرن الهجري الثاني. وأوضح أن شبه الجزيرة العربية تراجعت في نهضتها الحضارية بعد أن أصبحت جزءاً من الدولة الأموية في أرض الشام، ولهذه الأسباب ظهر فيها العديد من الثورات السياسية والعسكرية.
أما الناحية العلمية والمعرفية فكانت في وضع جيد وبخاصة المدن المقدسة في الحجاز وبعض حواضر اليمن الكبرى. أما أرض السروات وتهامة، فلم تكن المصادر تذكر شيئاً عن حياة أهلها العلمية، لكنه يعتقد أنها كانت غير خالية من العلوم والمعرفة وبخاصة الحياة الدينية؛ لأن سكانها قد دخلوا الإسلام مبكراً، وحسُن إسلامهم، ثم إنها تقع بين حواضر الحجاز واليمن التي كانت نشطة ثقافياً وعلمياً ومعرفياً.
5ــ تحدث ابن جريس عن تهامة والسراة من القرن الثاني إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري. وقال: إذا بحثنا عن تراث وتاريخ وحضارة وعلوم ومعارف هذه البلاد في تلك الفترة الزمنية الطويلة، فلن نجد المصادر تبين لنا صورة واضحة عنها. وهناك بعض كتب التراث الإسلامي المبكرة العامة، أو المتخصصة عن تاريخ حواضر الحجاز واليمن تذكر شذرات متفرقة وناقصة عن جزئيات من حياة الناس في هذه البلاد، لكنها لا تعطي القارئ تصورًا واضحًا عن كيفية الحياة في تلك الديار، وربما وجدت مصادر قديمة ذكرت مقتطفات عن بعض التواريخ السياسية والحضارية في الطائف وجازان ونجران.
أما المنطقة الكبيرة الواقعة بين تلك النواحي، فلا يوجد عنها شيء، وهذا لا يعني أنها غير مأهولة بالسكان، بل كانت الكثافة البشرية فيها عالية، وقبائلها وعشائرها الآمرة الناهية في أوطانها، لكننا لا نجد فيها علماء أو أدباء أو غيرهم يرصدون شيئاً من تاريخ أهلها. وغياب التوثيق في عموم السروات وتهامة (من جنوب مكة المكرمة والطائف إلى جازان ونجران) خلال العصر الإسلامي الوسيط وبداية العصر الحديث جعلنا لا نعرف شيئًا عن تراثها وموروثها . مع أن الذاهب في مناكب مدنها وقراها يشاهد الكثير من الآثار المادية والمعنوية، والمدفونة والسطحية، وهذا ما يؤكد أن لهذه الأوطان وأهلها تاريخ سياسي وحضاري متنوع.
6ــ تعرض ابن جريس في كلمته إلى حياة الناس في القرن (13هـ/19م) والعقود الأولى من القرن (14هـ/20م) . ويذكر أن البلاد (سراة وتهامة) صارت مذكورة في العديد من المصادر العربية وغير العربية، وبخاصة عندما ظهر في عموم شبه الجزيرة العربية الكثير من القوى السياسية الداخلية والخارجية. وكانت الدولة العثمانية، الإمبراطورية الإسلامية التي مدت نفوذها إلى بلدان كثيرة في قارات أوربا، وآسيا، وإفريقيا.
وكانت الحجاز واليمن من أوائل المناطق التي دخلت تحت سيطرة هذه الدولة الإسلامية منذ القرن العاشر الهجري (السادس الميلادي)، لكن في القرنين (13ـــ14هـ/19ــــ20م) كان لها صولات وجولات في جزيرة العرب، عندما كان في داخل البلاد إمارات وحكومات محلية، مثل: الأشراف في الحجاز، والدولتين السعوديتين الأولى والثانية في نجد، والدولة الزيدية في اليمن، والإدريسي في جازان.
وذكر الأستاذ غيثان أن هناك مئات الدراسات التي فصّلت الحديث عن تاريخ تلك الحكومات وصراعاتها مع العثمانيين. وأشار إلى أن عموم شبه الجزيرة العربية في ذلك الزمن لا تخلو من نشاطات علمية ومعرفية، بما فيها أرض تهامة والسراة التي كان فيها العديد من الأسر والبيوت العلمية في مناطق جازان، وعسير، وبلاد غامد وزهران، ونجران، والطائف. كذلك المدارس الأهلية (الكتاتيب) كانت منتشرة بشكل كبير في هذه البلاد خلال القرن الثالث عشر والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجريين.
7ــ فصل الدكتور غيثان بن جريس في كلمته بعض الظروف التي عاشتها المنطقة (سراة وتهامة) خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن (14هـ/20م)، وفي نهاية المطاف دخلت عموم السروات وتهامة تحت لواء الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل -رحمه الله-. وبدأت هذه البلاد تعيش حياة أفضل من ذي قبل، فتم توحيدها مع بقية أجزاء المملكة العربية السعودية، ثم انتشر الأمن والاستقرار في ربوعها، ودخلت مثل غيرها على سكة الرخاء والتنمية الحديثة.
وذكر أن أهل الحجاز يعتبرون الرواد الأوائل الذين أسسوا وأشرفوا على تأسيس وتطوير البلاد وبخاصة في المجالات الخدماتية المتنوعة. وأكد ابن جريس على أهمية دراسة بدايات التنمية الحديثة في المملكة العربية السعودية منن عام (1340ــــ 1380هـ/ 1921ــــ1960م)، وقال: إن هذه الحقبة حدث فيها الكثير من التطورات والتغيرات التاريخية الحديثة في أرجاء البلاد السعودية. وبلاد السروات وتهامة حظيت بالكثير من الاهتمام والخدمات التنموية، وهذا المجال مازال يستحق خدمة علمية بحثية توثيقية كبيرة.
8ـ أسهب الأستاذ غيثان الحديث في بعض المجالات التنموية التي بدأت وتطورت في تهامة والسراة خلال العقود الوسطى من القرن الهجري الماضي. وذكر شروحات وتفصيلات كثيرة عن نشر التعليم والمعرفة الحديثة بين السرويين والتهاميين، وأشار إلى أسماء الكثير من الرواد والمؤسسات التعليمية التي أنشئت في مناطق جازان، وعسير، ونجران، والطائف، وبيشة، والقنفذة.
وقال مهما تحدثنا فالموضوع كبير ويستحق أن يُدرس ويوثق في عشرات الكتب والبحوث العلمية. كما بيّن الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة في خدمة الأرض والارتقاء علمياً ومعرفياً بالناس في كل مكان. وأورد بعض المقارنات عن حياة السكان في النصف الأول من القرن (14هـ/20م)، والنصف الثاني من القرن نفسه. وكيف أصبح أهل تهامة والسراة خلال المئة سنة الأخيرة (1350- 1446هـ/1931ـ2024م) ذو شأن ومكانة حضارية كبيرة في بلادهم الأصلية، وفي أي مكان داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها.
وقال: إن جميع سكان المملكة في هذا القرن الأخير أصبحوا شعبًا واحدًا يجمعهم الدين، والوطن، والإخوة والمحبة، وكلهم يعملون بجد واجتهاد في خدمة بلادهم وأنفسهم وأهليهم.
9ــ لا أعتقد أنني أتيت على كل المحاور التي ذكرها الدكتور غيثان بن جريس في كلمته التي ألقاها على كوكبة من المتقاعدين، ومن أرباب القلم، ومن الذين لهم تاريخ جيد في بناء وطنهم وفي حياتهم العلمية والعملية من سبعينات القرن (14هـ/20م) إلى الثلاثينات والأربعينات من هذا القرن (15هـ/21م).
وختم ابن جريس حديثه بالعديد من النصائح والتوصيات التي تصب في خدمة البلاد والعباد حضارياً ومعرفياً. وطلب من الحاضرين أو مَن استمع إلى كلماته أن يكون عنصراً فاعلاً وإيجابياً في حياته وفي بلاده، وقال: يجب على كل من عمل في أي ميدان حضاري لخدمة وطنه أن يوثق ما عرفه أو عاصره، أو يكتب ذكرياته ومذكراته التي لا تخلو من فوائد يستفيد منها الأبناء والأحفاد، ومن يقوم بذلك يحتسب الأجر، والله – عز وجل – لن يضيع أجره ، وأضاف: إن بلادنا (السراة وتهامة) مليئة بالكنوز العلمية والثقافية والمعرفية والتاريخية، ويطلب من الجامعات المحلية من خلال أساتذتها وكلياتها وأقسامها أن تخدم هذه الديار كلٌ حسب جهده وتخصصه.
التعليقات