الخميس ٣ أبريل ٢٠٢٥ الموافق ٥ شوال ١٤٤٦ هـ

“افعل ولا حرج” فلسفة التيسير وحكمة الحياة – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

“افعل ولا حرج” فلسفة التيسير وحكمة الحياة – بقلم الكاتب أ. محمد عبدالله بن شاهر

.

في تلك اللحظة المهيبة في حجة الوداع، وسط الحشود التي احتشدت على صعيد المشاعر المقدسة، تجلت حكمة النبي محمد ﷺ في أبسط الكلمات وأكثرها عمقًا: “افعل ولا حرج”. لم تكن هذه العبارة مجرد إجابة على أسئلة تتعلق بمناسك الحج، بل كانت شعاع نور يبدد ظلمة الحيرة، ويمد الإنسان بجسر بين روحه المثقلة وأمله في الله. هنا، في هذا القول النبوي، تتجلى فلسفة الإسلام في أبهى صورها: التيسير، الرحمة، والمغفرة التي تُرشد الإنسان إلى طريق الطمأنينة.

“افعل ولا حرج” ليست مجرد كلمات؛ إنها رسالة تهز أعماق النفس لتخبرها أن الأخطاء البشرية ليست نهاية الطريق، وأن الله، في رحمته، يُمهّد للإنسان طريق العودة مهما تعثرت خطواته. حينما سأل الناس النبي ﷺ عن ترتيب المناسك أو ما إذا كانوا قد أخطأوا في فعل شيء، كان جوابه ثابتًا، بلا تردد أو لوم: “افعل ولا حرج”. كأنما أراد أن يقول: الحياة ليست معركة بين الكمال والخطأ، بل هي رحلة نبحث فيها عن الإخلاص في العمل والنية، ونتعلم أن الأخطاء ليست سوى جزء من طبيعتنا البشرية التي لا تُفقدنا قيمتنا عند الله.

في هذه العبارة، يُعيد الإسلام الإنسان إلى فطرته الأولى؛ تلك الفطرة التي تجعل من الدين ملاذًا للنفس لا عبئًا عليها. القرآن ذاته يقول: “وما جعل عليكم في الدين من حرج”. هذه ليست مجرد آية، إنها نداء من الله لكل من أثقلته الدنيا بهمومها، ولكل من ضاق صدره بالتفاصيل التي لا تنتهي. الدين ليس ليثقل ، بل ليمنحك جناحين تطير بهما نحو الطمأنينة.

ولكن ماذا حدث عندما أُقصيت هذه البساطة وحل محلها التعقيد؟ نجد في بعض كتب التراث مئات الصفحات وعشرات المجلدات التي تناقش تفاصيل موضوع من مواضيع الدين، بينما يبينه كتاب الله العظيم، القرآن الكريم، في آية واحدة ببساطة كافية يفهمها المسلم العادي قبل العالم المتعمق. فلماذا تحول الدين عند البعض إلى سلسلة من الأوامر والنواهي التي تُضيق على النفوس، بدلاً من أن تكون رحابة تأخذ بأيدينا نحو النور؟ ربما لأننا، كبشر، نميل أحيانًا إلى التعقيد وتشعب الطرق، حتى نغفل عن الطريق المستقيم الذي أراده الله لنا.”

“افعل ولا حرج” ليست فقط قاعدة دينية؛ إنها فلسفة حياة. هي دعوة لنا جميعًا لننظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين برحمة. كم مرة أثقلنا كواهلنا باللوم لأننا لم نكن مثاليين؟ وكم مرة حاسبنا من حولنا على أخطاء صغيرة بينما كان بإمكاننا أن نقول: “افعل ولا حرج”؟ الحياة أقصر من أن نضيعها في التوقف عند التفاصيل التي لا تصنع فرقًا كبيرًا، وأعمق من أن نختصرها في لوم أنفسنا أو الآخرين على ما كان.

في عالم اليوم، حيث تزداد التعقيدات من حولنا، نحتاج إلى هذه الفلسفة أكثر من أي وقت مضى. إنها تذكرنا أن التيسير لا يعني التفريط، بل يعني التركيز على الجوهر بدلاً من القشور. إنها تقول لنا إن الله أوسع رحمة من أن يحبسنا في دائرة الخوف والوسوسة. عندما نُعيد فهم هذا المعنى في حياتنا اليومية، يصبح الدين نورًا يسير معنا في كل خطوة، وليس ظلًا يلاحقنا.

تخيل لو أننا طبقنا “افعل ولا حرج” في حياتنا كلها: مع أطفالنا، عندما يخطئون؛ مع شركائنا، عندما يعجزون عن الكمال الذي نطلبه منهم؛ ومع أنفسنا، حين نقع فريسة للوم المتكرر. تخيل كم ستصبح الحياة أكثر دفئًا وسلامًا إذا توقفنا عن مطاردة المثالية التي لا وجود لها، وبدأنا نتعلم التسامح مع الأخطاء كجزء من الطبيعة البشرية.

“افعل ولا حرج” ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي مفتاح يفتح لنا أبواب الحياة الحقيقية. أبواب الرحمة التي تجعلنا نحب الله أكثر، لا لأننا نخاف من عقابه، بل لأننا نثق في غفرانه. تفتح لنا أبواب التسامح مع الآخرين ومع أنفسنا، لأننا ندرك أن الرحلة ليست في الكمال، بل في السعي الصادق. إنها حكمة تذكرنا بأن الدين الذي جاء ليكون رحمة للعالمين، لا يمكن أن يكون إلا مرفأً للقلوب التائهة وسبيلاً للنفوس الباحثة عن الطمأنينة.

“افعل ولا حرج” هي دعوة لنا جميعًا لنعيش الحياة برحمة وسلام، مع الله ومع أنفسنا ومع من حولنا.

.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *