الجمعة ٤ أبريل ٢٠٢٥ الموافق ٦ شوال ١٤٤٦ هـ

جواهر بشرية في البيوت الحجرية – بقلم الكاتبة أ. مقال قبلة العمري

جواهر بشرية في البيوت الحجرية – بقلم الكاتبة أ. مقال قبلة العمري

.

لا أحب أن استعير قصصا من بعيد سواء بعيد الزمان أو بعيد المكان فبيئتنا الطيبة جداً مليئة بالخيرات فكما أن جبالنا وسهولنا مكتنزة بالموارد الطبيعية كذلك بيوتنا مكتنزة بالجواهر البشرية لدينا في بيوت قبائل “رجال الحجر” مايطيل الرقاب فخراً وعزاً وساقص عليكم قصة صديقتي “فاطمة” ذات الوجه القمري الأبيض والشعر الأشقر والشبرات البيضاء، ذات الروح المرحة والضحكة الصافية، وذات اللسانيين، تتكلم اللغة الانجليزية بطلاقة اضافة للغتها الأم، هذه الفتاة كنا نقول في انفسنا معشر صديقاتها، هنيئا لمن يظفر بها زوجة جمال ومال وخفة دم وخفة جسم ( ويا ارض انهدي ماعليك قدي ) !! الله يحفظها..

مرت الأيام وكل واحدة منا بعد الثانوية أخذت طريقها.. فمنا من تزوجت ومنا من أكملت دراستها ومنا من هاجرت مع أهلها للدراسه في مدن بعيدة “وتلك قصص أخرى لم تروى بعد ” خُطبت فاطمة من شاب يستحقها وتستحقه من قرابتها، ولكن لحكمة يعلمها الله تطلقت سريعاً لتصاب بالإحباط، فقد فُجعت في زواجها، لكنها لم تلبث إلا يسيرا، حيث فُجعت بفواجع اخرى مع بقية أهلها عندما توفي أخوها الأكبر وعائلته في حادث سير مؤلم مؤلم جداً لكل من سمع به..

توفي الدكتور العائد من البعثه وقد أصبح “بروفيسور”، وزوجته، وبقي ولدان وبنتان، فكانت فاطمة أمهم وعمتهم ومربيتهم، ورفضت الزواج وأحسنت لهم في ظل جديهما الفاضلين، حتى كبروا وهي ترفض الخطاب واغراءتهم، ولما أذن الله بالنصيب الجديد كان رجلاً خلوقاً أديباً أريباً لديه ابنة من زوجة سابقة..وافقت فاطمة، وانضمت لأسرة من قبيلة مجاورة وربّت ابنة زوجها وانجبت بنتها الوحيدة، لتربي زهرتان جميلتان، وتمضي الأيام ويصاب زوجها بفشل كلوي مفاجىء..

لتضيف إلى قائمة فواجعها فاجعة ربما كانت العاشرة، في والد ابنتها الطفلة الصغيرة، أخذت فاطمة تركض وتطبب وتسعى للمستشفيات وكل مرة تزيد أمراض الزوج، وتزيد مصاريفه ومعاناته ومسؤلياته إلا أن أبيها الفاضل وأخوتها الكرام وقفوا بجانبها وقفة عظيمة وأرخصوا الدرهم والدينار والوقت والجهد، وانتقلت فاطمة لتلحق بركب الأسرة الفاضلة بالقرب من أهلها ومكثت أياما مع زوجها في المستشفى، وهكذا كل فترة يمكث في المشفى تكون معه رغم وجود الأخوة والأخوات، والأم أيضا، ( من ذا يطيق ماتطيقين يا أم عمارة)!!! 

ومن قبل كانت مع أمها عندما أصيبت بالجلطة وأقعدها المرض لفترة طويلة في الفراش كان هذا هو حال “فاطمة” مع زوجها خاصة، حتى زفت ابنة زوجها عروس بأبهى حلة لعريسها من قبيلة مجاورة وابن احدى الصديقات لتطمئن عليها، ومالبثت مابين المستشفى والبيت ترعى هذا الزوج الكسير جداً إلا من لسانه الطيب وأخلاقه الدمثه، وترعى والديها أيضاً، وعين ترقب بنت زوجها وأخرى ترقب ابنتها، وظهر يتلقى الهمز واللمز، وينحني أحيانا كثيرة لتجنب العواصف دون الإساءة..

أخذت “فطوم أو بطه” كما أسميها.. تتناوب بين زوج يتضعضع يوماً بعد يوم أمام عينيها التي طالما بكت تتألم من ألمه وبين والدين كبرا في السن وخاصة الأم التي أنهكها المرض، وبين واجبات العمل وواجبات الأهل، إلا أن الفرح يأتي لينعش قلوباً متعبة لتزف لنا تخرج ابنتها “غدي” من الجامعة ثم تزف لنا خبر خطوبتها، لكنها لم تلبث طويلاً حتى نعت لنا زوجها الطيب في الثاني من رمضان عام 1444هـ، وهي تريد أن تصرخ صرخة مدويٓة يسمعها العالم أجمع، صرخة المكلوم المثلوم، صرخة من أحسنت وأحسنت، وصبرت وتجشمت كل صعب، ثم فقدت الحبيب ومن قبل تلقت وتتلقى سهام ذوي القربى، من همزات أولى القربى بالنكران وأفخاخ المصائد والمكائد..

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند.. ولكن كيف لها أن تضام وأبوها “فائز” كتفاً جهبذ يسندها بعد الله، واخوانها واخواتها، نعم الأخوة والأخوات، كلهم يهرعون إليها، في مباراة من الحب والود والعطاء..
 
تلك قصة من نور كانت ولا زالت بيننا والبيوت تشع بنور هذه الجواهر الثمينة، مكنوزة في ستر الله ثم في كنف الأهل والأحباب وتلك بشارة من بشائر الخير والتربية الصالحة في بيوت “رجال الحجر” وفي كل بيوتات القبائل خير كثير.. أوعزت لي فاطمة أن صديقتها فوزية كانت سنداً عظيماً لها، وكذلك كان أخيها أحمد، والخير باق في أمة محمد إلى قيام الساعة.
* ومضة .. “أحمد شوقي‬⁩”
إِنَّ البَنَاتَ ذَخَائِرٌ مِن رَحمَةٍ .. ‏وُكُنُوزُ حُبٍّ صَادِقٍ وَوَفَاءِ
وَالسَّاهِرَاتُ لِعِلَّةٍ أَو كَبــرَةٍ .. ‏وَالصَّابِرَاتُ لِشِدَّةٍ وَبَــــلَاءِ

دمتم بخير 

.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *