الجمعة ٤ أبريل ٢٠٢٥ الموافق ٦ شوال ١٤٤٦ هـ

مشاهِد ودروس من الماضي القريب – بقلم الكاتبة أ. قبلة العمري

مشاهِد ودروس من الماضي القريب – بقلم الكاتبة أ. قبلة العمري
.
قبل أن ادلف للحديث معكم عما في خاطري سوف أبدأ بطرفة لاحدى القريبات، تقول: كنت فتاة لم ابلغ الثانية عشرة، وانا احوّم بمحطاقي ومريمتي حول الخريف احمي الزرع، وانفر الطير واصيح، ابرق واكوع واشووه، ابرق واكوع واشووه، تقول واذا بجارنا الطيب يصلي العصر وقد هبط راكعاً، قالت فاخذت اللوّي “بالمريمه” وعيني عليه واصرخ باعلى صوتي.. اركع واسجد واشووه، اركع واسجد واشووه.. ثم انتبهت واستحيت ودخلت بين الخريف الذي هو حقل الذرة البيضاء.. بالله عليكم، اضحكوا لا تصيرون نفسيه!!! على طريقة الجيل الجديد..

وعلى طاري الصلاة.. ذات مرة صليت صلاة الظهر وفي الغرفة تجلس امي “متعني الله بحياتها” وزوجة اخي، فاخذت امي تشتكيني إلى زوجة ولدها، قالت: ( عندك يانوره عينيها ولا ماتصلي الظهر إلا أربع ركعات مذا اعبى بها بياه الله عليك ) قالت حماتي العاقلة دوما، تراه يجوز يا خالة الفرض فقط اربع ركعات …

في هذا السياق وسياقات اخرى، عُدت بالذاكرة لبعض المواقف والأمور، حيث كان والدي “رحمه الله” ينهرنا بشدة عن ترك الصلاة.. كان يأخذ على أيدينا ويأمرنا بالصلاة ويأمرنا بأداء السنن.. تعلمنا الصلاة قبل دخول المدرسة. فكانت الفجر أربع ركعات، والظهر ست ركعات “أربع فريضة وركعتين بعدها سنة” والعصر اربع، والمغرب خمس “ثلاث فريضة و”ركعتان سنة”، والعشاء تسع ركعات بالوتر، وهكذا اعتدنا على فعل الخيرات وترك المنكرات بالقدوة والتوجيه الحسن، ولله الحمد بالأبوين الفاضلين، ومما وقعت عليه عيني قريباً عدة أحاديث منها ماعده العلماء مرفوعا..

هذا الحديث قد روي موقوفا من كلام جمع من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعن عبد الله بن عمرو، قال: من صلى أربعاً بعد العشاء كن كقدرهن من ليلة القدر. وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: أربع بعد العشاء يعدلن بمثلهن من ليلة القدر. وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: من صلى أربعاً بعد العشاء لا يفصل بينهن بتسليم، عدلن بمثلهن من ليلة القدر. أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، وصححها الشيخ الألباني، وقال: وهي وإن كانت موقوفة، فلها حكم الرفع لأنها لا تقال بالرأي، كما هو ظاهر. اهـ. والله أعلم.. “من موقع اسلام ويب”.

الله أكبر ماهذا الفضل العظيم .. اذاً كان هذا هو الحديث الذي كان والدي ومن سبقه يعملون به بالتواتر كابر عن كابر دون الولوج للشروحات والتفصيلات ولا يفرقون بين السُنة والفريضة، هذا التوقير والإحترام للسنة النبوية وانزالها منزلة قريبة جدا من الفريضة جعل من ذلك الجيل جيل لايرضى إلا بالمعالي، ولايقبل الهوادة في مسلمات الحياة.. ثم دخلت علينا بعض الشعوب العربية هداهم الله فمنهم من قضى حتفه ومنهم من ينتظر، منهم من اتى يحمل المسطرة ويعقد الكرفتة ويعلم علوم الطبيعة لكنه كان قدوة سيئة اذ لايفارقه الد خان ولا يأمر بالصلاة بل يحث بترك السنة الراتبة، لأنه لا يُعاقب تاركها كما في تعريفها ( يُثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها).

بمثل هذه التساهلات، نكصت أمة من الناس على اعقابها ودخل الترفيه المقيت إلى حياتها ودب في مفاصل الحياة نوع آخر من الفهم والفكر وأساليب الحياة المتخاذل، فإذا بكل الموازين تختل، وإذا بالمجتمع يحارب جيل محافظ وآخر يتنصل، كذلك اليوم يحدث نوع أكبر وأعظم من التنصل من كثير من القيم والمسلمات بدعوى ( حريتي حريتي ما أجمل الحرية) تحرر الرجل الأب وذهب يقطع الفيافي والقفار وأصبح رجلاً مسفاراً ، وحيداً أو مع رهطٍ قليل..

يقلب النظر ويسنب ويشنف الأذان بمقاطع التصوير واختيار الافانين والفنانين، وقد ترك خلفه أمة من الناس يضّاغون ويبكون منهم الجائع ومنهم التعبان، ومنهم الباحث عن أبيه يريد أن يتوكأُ عليه، وزوجة حملت الوزر”وزر تحرر هذا الزوج” وظفرت بالأجر فهي تطبب وتوجه وتعلم وتصرف وتؤي وتؤدي واجبات اجتماعية تجاه أهلها وذويها وحمولة الزوج، ثم ماذا بعد، قد ينظر الأبن لأبيه فيقلده، وتنظر البنت لأبيها فتقلده، وأصبح كل له شاكله، وكلن يدعي وصلاً بليلي…. وليلى لاتقرُ له بذاكا الحرية في وادٍ وهولاء في أودية أخرى بمفاهيمهم العقيمة لمعنى الحرية العظيم، الحرية لاتعني التخلي عن المسؤلية ولا تعني أيضا لمن حمل المسؤلية أن يفرط في استخدام السلطه.. قال صلى الله عليه وسلم ( سددوا وقاربوا وبشروا ….)

ونحن في هذا الزمن الغريب على الجاهل العجيب؛ على المتقوقع، المدلهم؛ على المتمترس في ظلمات العادات الخاطئة، زمن غريب بالنسبة لهم.. لكنه زمن العلم والبناء والإنطلاق، ولكن بقدر، بتروي، بوضع الأمور في نصابها، والعلم واجب.. التقاعد نعمه واحقاق الحق عزيز، إلا على النفوس الكبيرة. والهروب من المسؤلية لؤم “ونقاصة “.

الهامش: 1/ عندك يانوره.. بمعنى جئتك بسالفة او مشكلة اريد حلها – 2/ عينيها.. أي انظر إليها وإلى فعلها – 3/ مذا اعبى بها.. ماذا افعل بها او افعل لها – 4/ بياه الله عليك.. بجاه الله عليك “قلبت الجيم ياء في لغة جبال السروات” – 5/ الابرق والاكوع.. نوع من الطيور – 6/ اشووه.. كلمة تُقال لتنفير الطير – 6/ المريمة.. مرجمة “تستخدم لحذف ورمي الطيور”قلبت الجيم ياء”– 7/ محطاق.. نوع من القماش المفتول يشكل منه دائرة لولبية تصدر صوت يشبه المفرقعات لاخافة الطيور.

– هذه الكتابات .. ليست استعراض لفكر بقدر ماهي تثبيت لبعض القيم والعادات الطيبة وشكرا لمن احسن بي الظن.

  • ومضة ( فصل لربك وأنحر )
    دمتم بخير .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *